الشوكاني
139
نيل الأوطار
البيوت وطن النوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي . وقيل : يحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر . ويؤيد ما رواه مسلم : مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت قال الخطابي : وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشئ ، فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته ، وتعقبه الكرماني بأن قال : لعل ذلك من خصائصه . وقد روي أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون ، كما روى ذلك ابن ماجة بإسناد فيه حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وله طريق أخرى مرسلة . قال الحافظ : فإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك بل هو متجه ، لان استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة . ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب وهو . قوله : لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا انتهى . وكأن البخاري أشار بترجمة الباب بقوله : باب كراهة الصلاة في المقابر إلى حديث أبي سعيد المتقدم لما لم يكن على شرطه . وعن جندب بن عبد الله البجلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك رواه مسلم . الحديث أخرجه النسائي أيضا . وفي الباب عن عائشة عند الشيخين والنسائي ، وعن أبي هريرة عند الشيخين وأبي داود والنسائي ، وعن ابن عباس عند أبي داود والترمذي وحسنه ، وله حديث آخر عند الشيخين والنسائي ، وعن أسامة بن زيد عند أحمد والطبراني بإسناد جيد ، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني بإسناد جيد أيضا ، وعن ابن مسعود عند الطبراني بإسناد جيد أيضا ، وعن أبي عبيدة بن الجراح عند البزار ، وعن علي عند البزار أيضا ، وعن أبي سعيد عند البزار أيضا ، وفي إسناده عمر بن صهبان وهو ضعيف ، وعن جابر عند ابن عدي . ( والحديث ) يدل على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء مساجد ، قال العلماء : إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به وربما أدى ذلك إلى الكفر ، كما جرى لكثير من الأمم الخالية ، ولما احتاجت الصحابة رضي الله عنهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات